حسن بن موسى القادري
148
شرح حكم الشيخ الأكبر
وقد كان ذلك ؛ لأن ظهور النور يكون بالظلمة كما أن ظهورها بالنور ، لكن بظهور النور تنعدم الظلمة وبظهورها يستتر النور ، وفي الحقيقة لا يظهر بالنور إلا النور ، فظهور الوجود بالوجود لا بالعدم وهذا هو القول ألا قوم . فاللّه اللّه لا موجود إلا اللّه ، بل الوجود هو اللّه والأشياء صور الوجود ، وصورة الشيء ما به يدرك الشيء أو يحس ، فصح أن اللّه تعالى خلق العالم على صورته ، وخلق آدم على صورته فما دمت أنت احتجبت عنه ولا تراه ( ولو فنيت عنك به رأيته معك ) أي : ولو فنيت أيها السالك الطالب المريد لرؤيته تعالى عن وجودك وإرادتك بأن ظهر في قلبك نور من مصابرة الأعداء ، والمرابطة على ثغر القلب ليلا يدخل فيه الغير . كما وقع للسلطان أبي يزيد البسطامي قدّس سرّه حيث صار حاجبا على باب القلب عشرين سنة أو ثلاثين ، ومنع ما سواه تعالى من الدخول فيه ، فحقا يقوّى ذلك النور فيفنيك عن وجودك الذهني ، ولكن ليس هذا بنفسك ، بل به تعالى أي : بإفنائه الأزلي ومن استعدادك الأصلي ؛ لأن الفناء اختصاص إلهي غير كسبي حاصل للعين الثابتة في حضرة العلم من الفيض الأقدس الحاصلة به العين ، واستعادتها فإذا فنيت عنك بإفناء الحق إياك يصفى لك الإقبال على الرب ، فإذا صفى الإقبال تغيب عن وجودك العين أيضا ولوازمه فيمتليء قلبك من نور التوجه فيستره عن رؤية ما سواه تعالى ، ثم يسري من الباطن إلى الظاهر ، فيعمّ أجزاء الظاهر فيتشابهان ، وحقا يخلو قلبك من كلّ شاغل ، وإذا خلى قلبك من الشاغل رأيته معك ، وتتحقق حقا بقوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] ، فتصير واحدا للواحد الأحد ، فتكون حقا موحدا حقيقة ؛ لأنك أفردت القديم الحادث ، ولا يصح التوحيد إلا بهذا قال العالم الرباني سيد الطائيفتين الجنيد البغدادي قدس سره : لما سئل عنه إفراد القديم من المحدث ، ثم أيد القول السابق بالكلام اللاحق تنهيضا للسالك الصادق . 24 - ما لم تفن بشريتك ، وتموت لم تعرج معارج الملكوت . فقال قدّس سرّه : ( ما لم تفن بشريّتك ، وتموت لم تعرج معارج الملكوك ) أي : ما لم تعدم أيها السالك أوصاف بشريتك بأن تموت عنها ، فالمضاف مقدر . وقوله : ( وتموت ) بيان لإفناء البشرية ، والمراد بالموت الإعراض عن متاع الدنيا ،